أحمد بن محمد ابن عربشاه

120

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

اعلم أيها الداهل « 1 » الغافل ؛ إنك من أصحابك على طائل ، وهؤلاء أعداء في صورة أوداء وهم في التمثيل كما قيل : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في ثياب صديق وتيقن أن هؤلاء في النعمة خداعون وفي النقمة لذاعون ، وأنت شاب غرير « 2 » ، وبأعقاب الأمور لست ببصير لا مارست الخلق ، ولا فرقت بين الصادق من ذوى الملق « 3 » ، لا خبرتهم ولا سيرتهم ولا دخلت مداخلهم ولا ميزت خارجهم وداخلهم . إن الصديق الصادق والرفيق الفائق من بصّرك عيوبك ، وغفر لك بعد نصيحتك ذنوبك ، وأطلعك على حقائق الأشياء ونبهك على ما خفى من أمور الدنيا ، وأرشدك إلى ما يزينك ويصلح به دنياك ودينك ، وأبكاك إذا نصحك لا من أضحك وفضحك . وأما الذي يدلس ويلبّس ويوسوس ويهوّس ويروج الباطل ويحلى العاطل فذاك ليس بصديق على التحقيق ، وإنما هو عدو فلا يكن لك معه قرار ولا هدو . فلم يلتفت الشاب إلى هذا الخطاب ، حيث كان مصادما لغرضه غير شاف لعلته ومرضه ، وقال : صدق من نطق وفاه بالكلام الحق ، من قال إفشاء السر إلى النساء فعل الأحمق ، ثم تركها ترغو واستمر هو مع أقرانه يلهو ، ودوام على تلك الحال حتى إذا دنت لنفادها الأموال ، وبيع الرخيص والغال ، فما استفاق من سكرته واستيقظ من رقدته إلا والأموال وقد ذهبت والديون قد ركبت وهو ينشد وإلى مذهبه يرشد : ليذهبوا في ملامى أينما ذهبوا * في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب

--> ( 1 ) المتحير . ( 2 ) عديم الخبرة . ( 3 ) الكذب والنفاق .